الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
321
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
كيف وقد قال تعالى : الحيّ القيّوم 2 : 255 وقال تعالى : وهو معكم أينما كنتم 57 : 4 . فالتوحيد هو ظهوره تعالى لقلب العبد في ظرف غفلته ، وإعراضه عن الحدود الخلقية وعن نفسه بكمال توجهه وولهه إليه تعالى . قال الشاعر : حين تغيبت بدا حين بدا غيّبني ولا يكون هذا إلا في حال الجذبة كما بينه عليه السّلام بعدا . ثم إن المراد من الإعراض عن الحدود الخلقية يعمّ الإعراض عن جميع أنحاء الحدود الخلقية من الصفات والأفعال في الآفاق والأنفس ، وإلى هذه النكتة أشار قوله تعالى : كلّ من عليها فان ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام 55 : 26 - 27 فما سوى وجهه الكريم يكون فانيا بالذات . فالحقيقة إنما هو ظهور بقاء وجهه الكريم وفناء من سواه ، فالعبد في هذه الحالة يقول كما قال أمير المؤمنين ( عليه أفضل صلوات المصلين ) على ما نقل : " ما رأيت شيئا إلا وقد رأيت اللَّه قبله " . وإليه يشير ما في بعض الأدعية : " ولا يسمع فيه صوت إلا صوتك ، ولا يرى فيه نور إلا نورك " وإليه يشير ما في الأحاديث القدسية المروية عن الأئمة عليهم السّلام من قوله : " لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت يده وبصره " إلخ . فإن هذه الأمور والصفات في حال ظهور الحقيقة والتوحيد الصفاتي والأفعالي كما لا يخفى ، وهذا من أخص ألطافه تعالى لأخص أوليائه قال عليه السّلام : " بك عرفتك وأنت دللتني عليك ، ولولا أنت لم أدر ما أنت " . والحاصل : أن اللَّه غيور بل أغير كما قاله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وقال عليه السّلام : " ولا أحد أغير من اللَّه تعالى ، " فتقضي غيرته أن لا يرى جماله لأحد إلا في ظرف الإعراض والغفلة عن